استراتيجيات التمويل في المؤسسات التجارية
إن من أهم القضايا التي تشغل بال الإدارة المالية تلك المتعلقة بالاحتياجات التمويلية للمؤسسة لأن استمرارها وبقاءها مرهون بتحقيقها للربحية، وهذه الأخيرة تتحقق من خلال إجراء تفاعل رشيد بين قراري التمويل والاستثمار، ويرتبط قرار الاستثمار بقرار التمويل، فالقرارات الاستثمارية ومهما كانت طبيعتها ومدتها تتطلب موارد مالية لتنفيذها وتحقيق العائد لتعظيم ثروة الملاك. وتتنوع الموارد المالية المتاحة للمؤسسة بين الموارد الداخلية والموارد الخارجية، وكذلك الموارد المالية قصيرة الأجل والموارد المالية طويلة الأجل، وتسعى المؤسسة إلى المفاضلة بين هذه الموارد تبعا لاحتياجاتها التمويلية وظروفها الاقتصادية وملاءتها المالية والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. وبالنظر إلى الصعوبات التي تواجهها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مجال التمويل مقارنة بالمؤسسات الكبيرة، فقد تم استحداث آليات تمويل جديدة تتلاءم وخصائص ومميزات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ذات المخاطر العالية والقدرة المالية المحدودة. ومن بين الآليات التمويلية الجديدة والتي أطلق عليها اصطلاح التمويلات المتخصصة نجد التمويل بالاستئجار والتمويل بعقد تحويل الفاتورة والتمويل عن طريق مؤسسات رأس المال المخاطر. وهذه التمويلات تقوم بها مؤسسات متخصصة في مثل هذا النوع من التمويل كمؤسسات الاستئجار والنوافذ المفتوحة على مستوى البنوك التجارية والتي تقوم بعمليات الإيجار وكذلك شراء الذمم المدينة من المؤسسات، وكذا مؤسسات رأس المال المخاطر والتي لا تنحصر مهامها في تقديم التمويل فحسب وإنما تمتد وظيفتها إلى تقديم النقد والمساعدة في الإدارة والتسيير وتقديم المشورة بما يضمن نجاح المشروع. إن مشكلة التمويل في المؤسسات الاقتصادية ليست مرتبطة بنقص الموارد المالية في حد ذاتها وإنما الأمر مرتبط بتشابك الأهداف المالية للمؤسسة وتعارضها وخاصة هدف الربحية والاستقلالية المالية والتوازن المالي والنمو، حيث يطلب من المدير المالي في المؤسسة تمويل الأنشطة الاستغلالية والاستثمارية دون التأثير على الأهداف المالية للمؤسسة. وبالرغم من تنوع خيارات واستراتيجيات التمويل للمؤسسة فالأمر يتطلب مراعاة مجموعة من العوامل الكمية والكيفية والتي تؤثر على القرار التمويلي في المؤسسات الاقتصادية وخاصة عامل التكلفة والمخاطر والسيطرة والمرونة والتوقيت والظروف الاقتصادية التي تواجهها المؤسسة سواء أكانت ظروف كساد أم ظروف رواج...إلخ. إن الهدف المالي الإستراتيجي للمؤسسة هو تعظيم القيمة السوقية لها وتساهم مجموعة من العوامل في تحقيق هذا الهدف، ويعتبر القرار التمويلي من أهم العوامل المؤث رة في القيمة السوقية للمؤسسة سواء بالإيجاب أو السلب، وذلك من خلال قدرة الإدارة المالية للمؤسسة على تشكيل الهيكل المالي الأمثل والذي يجعل تكلفة رأس المال في أدنى قيمة لها ويعظم القيمة السوقية لها، ولهذا يتطلب الأمر التحديد الدقيق لتكلفة رأس المال باعتبارها ذات أهمية كبيرة للعديد من القرارات المالية الأخرى التي لها تأثير على القيمة السوقية للمؤسسة كقرار الاستثمار وقرار توزيع الأرباح. ونظرا لأهمية الهيكل المالي الأمثل وتأثيره على القيمة السوقية للمؤسسة فقد أسهم الفكر المالي من خلال مختلف النظريات المالية التقليدية والحديثة في البحث في كيفية تحديد وتشكيل الهيكل المالي الأمثل وخاصة نسبة الاستدانة المثلى في المؤسسة، ولقد كانت النظرية التي جاء بها Merton Miller and Franco Modigliani سنة 1958 وسنة 1963 منطلقا في البحث في الهياكل المالية للمؤسسات، لتظهر بعد ذلك وخاصة في سنوات الثمانينات مجموعة من النظريات والتي تفسر السلوك التمويلي للمؤسسات بما يعظم قيمتها السوقية. ولقد جاء هذا الكتاب ليعالج أهم جوانب التمويل في المؤسسات الاقتصادية.
Avis des lecteurs
Aucun avis pour le moment.